سيد محمد طنطاوي

127

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال صاحب الكشاف : وقوله * ( خَلَقَه مِنْ تُرابٍ ) * جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم - أي للأمر الذي لأجله كان ذلك التشبيه - أي خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم وكذلك حال عيسى . فإن قلت : كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب ووجد آدم من غير أب وأم ؟ قلت : هو مثيله في أحد الطرفين ، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف ، ولأنه شبه به لأنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران . ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب ، فشبه الغريب بالأغرب ، ليكون أقطع للخصم ، وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيم هو أغرب مما استغربه » « 1 » . وقوله * ( ثُمَّ قالَ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) * تصوير لخلق اللَّه - تعالى - آدم من تراب أي أراد - سبحانه - أن يوجد آدم فصوره من طين ثم قال له حين صوره كن بشرا فصار بشرا كاملا روحا وجسدا كما أمر - سبحانه - . فالجملة الكريمة تصور نفاذ قدرة اللَّه ، تصويرا بديعا يدل على أنه - سبحانه - لا يعجزه شيء في هذا الكون . وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في « يكون » دون الماضي بأن يقول « فكان » لأن التعبير بالمضارع فيه تصوير وإحضار للصورة الواقعة كما وقعت ، ومن وجهة أخرى فإن صيغة المضارع في هذا المقام تنبئ عما كان ، وتومئ إلى ما يكون بالنسبة لخلق اللَّه - تعالى - المستمر في المستقبل كما كان في الماضي . ثم بين - سبحانه - أن ما أخبر به عباده في شأن عيسى وغيره هو الحق الذي لا يحوم حوله باطل فقال - تعالى - * ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) * . والامتراء هو الشك الذي يدفع الإنسان إلى المجادلة المبنية على الأوهام لا على الحقائق . وهو - كما يقول الرازي - مأخوذ من قول العرب مريت الناقة والشاة إذا أردت حلبها فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء كاللبن الذي يجتذب عند الحلب . يقال : قد ماري فلان فلانا إذا جادله كأنه يستخرج غضبه « 2 » . والمعنى : هذا الذي أخبرناك عنه يا محمد من شأن عيسى ومن شأن غيره هو الحق الثابت اليقيني الذي لا مجال للشك فيه ، وما دام الأمر كذلك فاثبت على ما أنت عليه من حق ،

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 367 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 80 .